الهوية الضائعة

الهوية الضائعة

الهوية الضائعة

في الأسئلة الجدلية والمحورية غالباً، حين لا نستطيع تحديد الجواب الأكثر دقة لها، نمشي في طريق البحث عن الجواب ونحن نعمل ونفكر معاً، إذ لا يمكن أن نقوم بأحد الأمرين فقط وإلا لن نصل إلى نتيجة وسنضيع حتماً في دوامة لا حدّ لها، أحد هذه الأسئلة التي تؤرقنا دائماً: هل الهوية شيء ثابت واضح معلوم، تحدد شكل النتاج الثقافي، والفني، والفكري، وأسلوب حياة الناس في مجتمع ما وتؤثر فيه، أم العكس هو الصحيح؟!

Arabic

لا شك و أن العمارة هي التعبير الأوضح عن الشعوب، وهي مرآتها أو على الأقل هذا ما يجب...
مشكلتنا المعمارية الكبرى اليوم، تكمن في تحول المسكن من مكان يعبر بشكل أساسي عن حياة الإنسان وأفكاره، ويحقق له الراحة النفسية والفكرية والروحانية بالإضافة للجسدية أيضاً، إلى مجرد مأوى يستر به نفسه في هذا العالم الموحش، وبينما كان من المفترض أن يقوم الإنسان ذاته بخلق هذا الفراغ المعماري الأقرب إليه يما يتناسب مع احتياجاته مجتمعة، فقد تحول الموضوع إلى فرض يُجبَر الإنسان عليه مكرهاً، فقد يُعتبر محظوظاً في مجتمعاتنا من يملك بيتاً قبل أن يعلو رأسه الشيب ويحني الزمان ظهره.
ما الذي جعل الإنسان يتحول من فنان في فضاءات الطبيعة يحولها كيف يشاء إلى ما يريد إلى مجرد رجل آلي يُملي عليه الواقع فروضه فيذعن؟!

الأصل في الإنسان هو نزعته للحرية , وأن يشكل من حوله الفراغ الذي يؤويه بما يناسب هذه الحرية التي هي في دمه, ولإثبات ذلك لا تحتاج لأكثر من جولة في أيّة مدينة قديمة، كأن تمشي في شوارعها والذي يعني بالضرورة أن تنتقل زمانياً وتتحول فجأة إلى رجل من ذاك العصر، تحس ببناة المدينة حين بدأوا بها كيف اختاروا بعناية فائقة مكان كل فعالية في المدينة، المساجد والكنائس والمدارس والبيمارستانات والخانات وحتى البيوت، وحتى أكون محدداً أكثر، حين تدخل أيّ بيت في أحد أحياء حلب القديمة -مثلاً- من البيوت التي لم تطلها يد الإسمنت بعد، سترى ذلك الفضاء المريح وهنا لا يهم سواء كان البيت كبيراً أو صغيراً، طالما أن هذا البيت يعبر عن رغبة سكانه فحتماً ستشعر براحة نفسية وسكينة تتنزل على صدرك، كل الفراغات والأدراج والأقواس والإيوان والأبواب والنوافذ مختارة بعناية، حتى أدق تفاصيل المنزل من البلاط والرخام وزجاج النوافذ والخشب والخزائن الجدارية والمشربيات المتدلية كشاهد قديم على كل ما حدث، كله قد تم اختياره ليكون ذلك الفضاء الذي سيقضي فيه الساكنون راحتهم.
كل هذه التفاصيل والفراغات المعمارية المجتمعة بهذا التناسق الفريد، والتناغم الرائع كانت تشكل هوية المدينة، الهوية التي صنعها أهلها بأيديهم حجراً فوق حجر، تكتسب المدينة هويتها من خلال العلاقة فيما بين مبانيها ومعالمها وما بين سكانها " صانعي المدينة " هذا الحضور الإنساني في المدينة كانت تستجيب له المدينة بكل جوارحها، فقد يضّل من يظن أن المدن لا روح فيها ولا قلب، إذ أن روح المدينة وقلبها هما ما يقودك داخلها إذا ما جئتها يوماً كزائر.

 

ولكن بينما يندهش الآخرون بعمارتنا القديمة، نطعنها نحن في الظهر!

إذا ما خرجت من داخل أسوار المدينة القديمة وخطوت أول خطاك على شوارع المدينة " الجديدة " أول شعور سينتابك هو الضياع، لن تشعر إلا وقد تركت روحك بين ثنايا حجارة المدينة القديمة وأزقتها وصرت خارجها جسداً بلا حياة، وليست المشكلة في كون العمارة الحديثة شيئاً سيئاً بحد ذاتها, إلا أن ضياع الهوية فيها أو إضاعتنا نحن للهوية في تنفيذها هو ما أضفى عليها هذا الشعور بالعشوائية والضياع وطمس الملامح والتشويه، ولا ندري هل ضاعت الهوية لأن ثقافتنا تشوهت أم أن العمارة وحدها ما تشوه! ولأنه لا يمكن الفصل بين العمارة والثقافة، إذ أن التأثير مزدوج بين الثقافة والعمارة كلاهما مرتبط بالآخر ومتأثر فيه وناتج عنه، فكما أن المدينة بحاجة إلى فنانيها وأدبائها هي محتاجة بذات الوقت إلى معمارييها ومخططيها، ما حصل معنا – كما أزعم – هو أننا تبعنا الحداثة التي اقتحمت العوالم المعمارية, وانسقنا وراءها كالعميان مندفعين ومزهوين بهذا البريق الكاذب لها، وانحصر تفكيرنا فيها وبما يمكن أن تقدمه لنا من سرعة في الإنتاج "المعماري" بالإضافة للمنافع المادية الكبيرة، غاب تماماً عن الإنتاج المعماري كل المعايير التي يجب أن يفكر بها المخطط قبل البدء بعملية التصميم والتخطيط، مع العلم أن الطالب أول ما يتعلمه في طريقه نحو جعله معمارياً هو النواحي التي يجب أن تُراعى في التصميم " الجمالية، الوظيفية، الاقتصادية، البيئية، الاجتماعية" إلا أن المعماري ينصدم في سياق الواقع العملي الذي يهمّش كل الجوانب تماماً عدا الاقتصادي، وسرعان ما يتقولب المعماري ضمن في هذا السياق حتى يضمن له وجوداً في عالم "الحيتان الكبيرة" ، لم يفكر المخططون والمعماريون وهم يكرّسون هذه العمارة "الجديدة" بما يمكن أن تسببه إذا ما تم استخدامها بغير ما يجب، وإذا ما استشرت كالسرطان في مدننا دون أن تعطي اعتباراً للساكنين واحتياجاتهم ودون تراعي تراثاً ولا ثقافة ولا تاريخاً ولا هوية.
وليس ما نراه اليوم من تشوه كبير في المدن الحديثة ذات النمو المعماري السريع، إلا نتاجاً لسوء استخدام الحداثة، والانصياع لها، لم يكن تشويهاً معمارياً فقط وإنما تعداه ليكون تشويهاً اجتماعياً وبيئياً وثقافياً وحتى فنياً، ما يعني بالنهاية تشويهاً إنسانياً، في حين أنه كان من واجب المعماريين والمخططين أن يطوعوا الحداثة في خدمة الإنسان لا العكس.

 

مقالات أخرى

المدن المقدسة
19Sep

المدن المقدسة

تنازعت الإنسان منذ الأزل عاطفتي حنين، عاطفةٌ تشده نحو السماء العظيمة الغامضة، التي بقدر جهله بها وبغموضها، بقدر شعوره في عقله...