المدن المقدسة

المدن المقدسة

المدن المقدسة

تنازعت الإنسان منذ الأزل عاطفتي حنين، عاطفةٌ تشده نحو السماء العظيمة الغامضة، التي بقدر جهله بها وبغموضها، بقدر شعوره في عقله الباطن بانتماءٍ غابرٍ لم تخبو جذوته بعد، وبباقي ذكرى لم يبقى منها إلا بقايا روحه التي بين جنبيه، وعاطفة الشوق لأرضه التي ولد عليها، وترعرع في جنبتها، هذه الأرض التي مهما كانت قاسية ومقفرة، لكنه يحن إليها حتى ولو ألقته العوادي في أرضٍ تفوقها خضرة وجمالا.

Arabic

هذه العواطف طالما قومت الإنسان، فتطلعه للسماء وشوقه لماضيه فيها جعله يجسد قدسيتها على أرضه التي يحب، علها تذكره دوما وتقومه وتعيد توجيه دفة روحه إذا اعترتها شهواتٌ وضيعة، ورغباتٌ فانية، وجعل هذه التجسيدات هي قلبُ وأساس كل حياته، ومدار اهتمامه، ومحل التقديس الروحي في بحر المادة.
إن أبرز أثر مادي للإنسان هو نشاطه المعماري، مدنه وصروحه التي يشيدها ويبنيها، ولما كانت هي التعبير الأوضح للجانب المادي من هذه الحياة، وازنها الانسان بقواعد روحية راسخة، فعندما بنى بيته الأول أحضر العارف بالسماء وساكنها ليبارك له المكان، ويستجلب له الحفظ والبركة وطول البقاء، ثم حينما بدأ بالأساس جعل فيه حجراً ملأه بالتمائم والأدعية، ووضعه بين حجارة الأساس، ولم ينسى غرفه العبادة، وطقوس الدخول للمنزل بالقدم اليمنى، وبدعاء الدخول، وكما ابتدأ البناء بالمقدس انهاه به، فجعل آخر حجرة يضعها فيه تفيض شكراً للإله وتستحضر فضله ( هذا من فضل ربي، تم بعون الله بناء ..إلخ ).
ثم عندما بنى مدينته، أحضر أيضا العارفين بالله وبخلقه، كي يختاروا له المكان المبارك، ويطلبوا لها البقاء والدوام، ثم بدأ بقلبها وجعله منزلاً للرب ومكاناً لعبادته، وجعل أعلى موضع في هذه المدينة جبلاً مقدساً يعج بالمعابد والصوامع والمكتبات، بدأ حينا بكعبة وحينا بالجبل المقدس في القدس، وحيناً بمسجد المدينة، وحيناً بزاقورة بابل، وحيناً بكنائس روما ومعابد أثينا وأهرامات الأزتيك، وجعل أنبل وأرقى الأنشطة هي التي تقترب من هذه المقدسات، فأحيطت بالمكتبات ودور العلم ومراصد الباحثين ونوادي الفلاسفة، ونُحِّيت الأنشطة الوضيعة لخارج السور، وطردت من حمى هذه المدينة، وكان نبل الإنسان ومكانته الاجتماعية هي ما تحدد قربه أو بعده من هذا القلب.
وكان العدو إن أراد اخضاع المدن وساكنيها جعل كل هجومه يتمحور حول هذا القلب المقدس للمدينة، فإن دمر أو دنس هذا القلب حتى وإن بقيت المدينة، فستبقى مدينة بلا روح، تذوي قليلاً قليلاً حتى تموت كالجسد العليل.
فكانت تصنف المدن في العالم قديماً على نوعين أساسيين من الناحية الروحية، مدنٌ مقدسة، ومدنُ الخطيئة.
مدن الخطيئة هي التي لا تملك مقدساتها الروحية، وتقدس شهواتها الدنيوية التي لا قلب لها ولا روح، هذه المدن كانت حينما تُذكر تستحضر اللعنات، ويُنتظر نزول الغضب الإلهي عليها، وحينما يصيبها زلزال مهلك، أو يستبيحها عدوٌّ غاشم، يكون جواب الجميع قد كان ذلك متوقعاً، لقد كانت تحارب السماء.

قارن بين تلك المدن العظيمة المقدسة وبين مدننا اليوم، ما الذي تغيّر؟
قارن بين مكة القديمة والقدس وبابل وأثينا وطيبة مصر وتمبكتو بكل ما تحمله هذه المدن من روحية وقدسية وبين مدن اليوم.
ستجد بعد مقارنة بسيطة أن مدن اليوم هي تجسيد متطابق لمدن الخطيئة القديمة مدن القمار والنخاسين والمرابين ومدن المقهورين الذين سلبت أرواحهم.
مدن بدأت بسلب الأرض من أهلها ظلماً وقهراً، ثم ضاربوا على أسعار هذه الأرض، ورفعوها حتى لا يقدر على تملكها إلا كبار المرابين، ثم نبشوا وأزالوا كل آثار هذه الأرض وماضيها، كي لا يبقى لأهلها الأصليين شيئا، حتى الذكرى، ثم أحضروا كبريات الشركات، التي لا يهمها في هذا العالم إلا ربحها المتوحش وفقط، فأزالت معالمها، وأجبرت انحناءاتها على الاستقامة المعوجة، وقهرت مرتفعاتها،  ثم غرهم الكبر والجبروت، فناطحوا السماء بعلو صروحهم، لا تقرباً منها، بل معانده لها وتكبراً، يدفعهم الدافع الأوحد، ولو هلك الكون، وهو الربح والربح المتوحش فقط، ثم عمر وسكن هذه الصروح الظَّلَمة، وتجارَ الحروب، وآكلوا أموال الناس، وجمعت حولها الأرذل فالأرذل.

هذا هو الفرق بين إنسان ما قبل التاريخ الذي يوصم بالهمجية وبين الإنسان المتدثر بالحضارة اليوم.
فقد كان دافع الإنسان القديم ( الهمجي ) جزءاً من الجنة المقدسة، يستحضره في هذه الأرض، أما دافع المتحضرين اليوم فهو الربح المادي في أكثر صوره سادية.
هذا ما سلبته المدن الحديثة منا، سلبت الروح وزخرفت الجسد الميت.
وهذا ما بقي من ذواتنا نحن أيضا.

مقالات أخرى

الهوية الضائعة
19Sep

الهوية الضائعة

في الأسئلة الجدلية والمحورية غالباً، حين لا نستطيع تحديد الجواب الأكثر دقة لها، نمشي في طريق البحث عن الجواب ونحن نعمل ونفكر معاً...